ابن كثير

80

البداية والنهاية

جماعة من الامراء - فضحك وخلى سبيله . وقيل لعبد الملك : أي الرجال أفضل ؟ قال : من تواضع عن رفعة وزهد عن قدرة ، وترك النصرة عن قوة . وقال أيضا لا طمأنينة قبل الخبرة ، فإن الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم . وقال : خير المال ما أفاد حمدا ودفع ذما ، ولا يقولن أحدكم ابدا بمن تعول ، فإن الخلق كلهم عيال الله ، وينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث . وقال المدائني : قال عبد الملك لمؤدب أولاده - وهو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - : علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن ، وجنبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وأقلهم أدبا ، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة ، واحف شعورهم تغلظ رقابهم ، وأطعمهم اللحم يقووا ، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا ، ومرهم أن يستاكوا عرضا ، ويمصوا الماء مصا ، ولا يعبوا عبا ، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سر لا يعلم بهم أحد من الغاشية فيهونوا عليهم . وقال الهيثم بن عدي : أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذنا خاصا ، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس ، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة وخرج فلم يدر أين ذهب ، وإذا فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، يا أيها الانسان إن الله قد جعلك بينه وبين عباده فاحكم بينهم ( بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) [ ص : 26 ] ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ) [ المطففين : 4 - 6 ] ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ) [ هود : 104 ] ( وما تؤخره إلا لأجل معدود ) [ هود : 105 ] إن اليوم الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك ، ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) [ النمل 52 ] وإني أحذرك يوم ينادي المنادي ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) [ الصافات : 22 ] ( ألا لعنة الله على الظالمين ) [ هود : 18 ] قال فتغير وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أياما . وكتب زر بن حبيش إلى عبد الملك كتابا وفي آخره : ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلم به الأولون : إذا الرجال ولدت أولادها * وبليت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها تعتادها * تلك زروع قد دنا حصادها فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بل طرف ثوبه ، ثم قال : صدق زر ، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق . وسمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب فقال : أنهى عن ذكر عمر فإن مرارة للأمراء مفسدة للرعية . وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى القباني ، عن أبيه عن جده قال : كان عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق ، فقالت له : بلغني أنك شربت الطلا بعد العبادة والنسك ، فقال : إي والله ، والدما أيضا قد شربتها . ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة فقال : ما حبسك لعنك الله ؟ فقالت أم الدرداء : لا تفعل يا أمير المؤمنين فإني سمعت أبا